Saturday, January 04, 2020





مقالي كاملاً عن شادية-نشر بجريدة القاهرة بتاريخ 13 نوفمبر 2019

https://www.facebook.com/EgyptianWriterlamiaMoukhtar/posts/10156854838505148?__xts__%5B0%5D=68.ARC4xNA--SLQKVZQHbbrQqOg4WxxnyjS_3EKudNP_LUm3286R6lfnWXjbHMdeof_CUS2B-2pdcF1M6nUEtmLs9obwmNR4RLUlKx-OBy2BFpnSfp8ZucTyCdmOM81poU_ZEB6RjkS2nZ38ybG2dDl9Ky9eOk9kXiStSpyWWJ1DSBgvDusTWI9tcYl4Sy-dDp8TmYomQEXM3za0poNKGD42fXF_LdlR9RnG8rd0d-ZXqtnn-6CLGdHLS4FyDyJsGhl9SatJbmpGlxrvXeFqd_BSpjqI8IcI3jpJtN5YXDoUzCkM5KlcXZ8c3fmvuYKYCH4fkyWUk8p4VEcBL9uGw&__tn__=K-R


شادية.. ما العيب في أن تكون عصفور جنة؟

بقلم: لمياء مختار


حين أقول "عصفور جنة"، فأنا أعني عصفوراً حقيقياً من عصافير جنة الآخرة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عصفوراً رائع الجمال مفعماً بألوان الأنوثة الدافئة: الوردي والذهبي والبرتقالي المائل إلى الأحمر، عذب الصوت رقيقه، هذه هي الصورة الذهنية التي تخطر ببالي حين أسمع اسم شادية، كمرادف لأقصى درجات الأنوثة والجمال والدلال والرقة، أكثر بكثير في رأيي من مارلين مونرو ومن سعاد حسني وهند رستم وغيرهن، ربما لا تقاربها في الأنوثة والجمال في الغربيات سوى ميج رايان وكيت وينسليت.. الأنوثة الصارخة بمعناها اللطيف الرقيق وليس المغري أو المقتحم للعيون بشراسة، وتتفوق هي عليهن بحلاوة الصوت.

قرأت مؤخراً بالصدفة مقالاً قديماً للناقد كمال النجمي نشر عام 1966 وأعيد نشره هذه الأيام في مجلة المصور بعنوان: "خدعوها.. فقالوا لا تغني!"، وهو بالظبط محور ما كنت أفكر فيه في حديثي عن شادية.. قطعة البسبوسة وجاتوه المانجو والفراولة، وطيف السعادة الهارب منا جميعاً يتبدى لنا كحلم ينبض مراوغاً لنا ذهاباً وجيئة.

إن أفلام شادية في مرحلتها الأولى التي كانت فيها صبية مرحة رائعة الجمال والصوت، لهي أفلام تخاطب فينا لا شعورياً قصص ال fairy tales، فيلم "الدنيا حلوة" هو قصة سندريلا، وتتجلى قصة سنوهوايت في أفلام: "قدم الخير" و"آمال" و"في الهوا سوا"، ما العيب في هذه الأفلام وهي التي إلى الآن نستعمل حوارها الطريف في كلامنا مثل "ازيك بجى؟" و"شد اللحاف" وغير ذلك من اللزمات البديعة؟، بل إنها تحوي إرهاصات التحول الإنساني في أداء ممثل عظيم كمحمود المليجي في أفلام مثل "غلطة أب" و"أيام شبابي"، في مرحلة تسبق بكثير تلك التي أعاد فيها اكتشافه يوسف شاهين، وهي أفلام ذات متعة كبرى وتؤرخ للمرحلة الذهبية من تاريخ السينما المصرية ولا تخلو من ممثلين مظلومين فنياً، مثل ذلك الممثل اللطيف المبدع الذي حُصر في دور واحد: محمد كامل أو عم كبريت في فيلم آمال، فلماذا يتم ظلمها ووصفها بالخفيفة؟.

ويبدو أن الجميع متأثرون بفكرة أن تكون "عميقاً" التي سخر منها رواد الفيس بوك حين لاحظوا تكرار البوست القائل بأن أفضل شيء للصباح هو القهوة وفيروز ومحمود درويش، وهي أشياء رائعة، ولكن التنميط وحصر الرائع في ذوق واحد مرفوض، ومن المرفوض أيضاً تحميل الإنسان ما لا يطيق، ولهذا أعجبني رأي قديم للفنان محمود يس حين سُئل عن مقدرة الممثل على أداء كل الأدوار فنفى ذلك، قائلاً بأن للإنسان مهما كان عظيم القدرة الفنية حدوداً تقتضيها طاقته البشرية وأدواته.

أنا لا يعنيني أن تكون ليلى مراد أو فريد الأطرش ممثليْن عظيمين، فهما أسطورتان عظيمتان في عالم الغناء والألحان، بل إن بعض الهنات التمثيلية الخفيفة مكملة لشخصيتيهما لأنها تدل على الجانب التلقائي الرقيق الجميل الذي يضيف لشخصية المطرب ولا ينتقص منها. ولهذا لم يكن من المطلوب من شادية أن تكون أل باتشينو أو توم هانكس أو أنتوني هوبكنز، ولم يكن عليها أن توتر نفسها برغبتها المحمومة في أن تكون القمة في التمثيل لدرجة اعتزالها الغناء في منتصف الستينيات كما ذكرت مجلة المصور ثم عودتها إليه لاحقاً، وهو أمر غريب حقاً.

ووجدت إجابة لتساؤلي في مقال للفنان كمال الشناوي نشر بمجلة "الاثنين والدنيا" عام 1952 وأعادت نشره مجلة صباح الخير عام 2006، يقول فيه واصفاً شادية:
"هي الطفلة التي تريد أن تسبق عمرها.. والممثلة الممتازة، لو ابتعدت عن التصنع والتكلف، تعمل أكثر مما يلزم، وهذا ضار بفنانة لا تستطيع أن تقول إنها مغنية.. ولكنك تحب سماع صوتها..".

إذاً هو وصف صادم: "لو ابتعدت عن التصنع والتكلف"، "لا تستطيع أن تقول إنها مغنية"، ولابد أن رأيه قد تغير حين شاركها بطولة فيلم المرأة المجهولة فيما بعد، ولكن لابد أن غصة ما بقيت في حلقها، وهو ما دفعها لاحقاً إلى اقتراح حذف أغنية بسبوسة من فيلم زقاق المدق مما أغضب عبد الوهاب ملحن الأغنية منها إلى آخر عمره، ولعلنا كسبنا ممثلة رائعة، ولكن مجرد تخيلها لنفسها أنها ممثلة فقط وليست مطربة يزعجني، فمن أقنعها بهذه الفكرة الغريبة؟.

وهذا يقودني إلى مناقشة نقطة أخرى لا أجد لها تفسيراً، وهي حوار شادية مع المذيعة الخليجية أمل عبدالله في برنامج "أمس.. اليوم.. وغداً" قبيل مسرحية ريا وسكينة، حيث قالت:
"في بداية حياتي اشتغلت مع محمود الشريف.. منير مراد.. أحمد صدقي.. دول في فترة كبيرة قوي كانوا معايا.. وبعدين الأستاذ الموجي والأستاذ كمال الطويل.. غير الجداد بقى"، وحين سألتها المذيعة عمن ترتاح لألحانه فيهم جميعاً ردت شادية قائلة: "بليغ كان بيريحني قوي قوي الحقيقة.. في طبقة صوتي واللون اللي أحبه..".
توقفت كثيراً عند رأي شادية هذا، ولم أفهم منه غير أنهم أقنعوها أن أغنيات بليغ حمدي لها أهم وأفضل من أغنيات توأمها الفني الحقيقي منير مراد، وأغنيات بليغ لشادية رائعة حقاً وأروعها يا حبيبتي يا مصر وأسمراني اللون وأبو العين العسلية، ولكن بليغ ليس توأم شادية الفني كمنير مراد ومن الغريب أن تقتنع هي بعكس ذلك، فكل فولة ولها كيال وبليغ هو توأم وردة الفني، ولكن شادية غنائياً = منير مراد، وألحان محمود الشريف لشادية مثل "حبينا بعضنا" و" يا نور عنيا" و"أبيض يا وردي" و"ليالي العمر معدودة" وألحان أحمد صدقي لها مثل "سحر عنيكي العسلية" وألحان رياض السنباطي لها مثل "احنا في الجنة" و"لحن الوفاء" و"3 شهور" وألحان عبد الوهاب لها مثل "أحبك" و"بسبوسة" كانت ألحاناً بديعة، ولكنها لم تكن كتلك القنبلة التي انفجرت لتشكل صوت شادية تشكيلاً جديداً يفهم صوتها تماماً ويفصل له أجمل الفساتين التي تكسوه بهاء وعذوبة ورقة عبر ألحان منير مراد لها التي بدأت ب"واحد اتنين" واستمرت عبر عشرات الأغنيات الساحرة: يا دبلة الخطوبة وما اقدرش احب اتنين وسوق على مهلك وماما يا حلوة وآلو آلو ويا سارق من عيني النوم وحاجة غريبة وتعال أقول لك وخمسة ف ستة وواحدة واحدة ويا شاغلني وقلبك خالي وشبك حبيبي ووحياتك انت وإن راح منك يا عين وفارس أحلامي و"ما تقولشي بُكره" الأغنية التي قالت عنها شادية إنها لم تلق التقدير المناسب، ومن روائع ألحانه المنسية لها أيضاً أغنية "فوت يا حبيبي وسلم"، بل إن حتى الاستعراض الوطني "يا مصر قومي وانهضي" في نهاية فيلم أنا وحبيبي يعد في نظري رائعاً.

لابد أنهم كانوا قد أقنعوا شادية بأن هذه الأغنيات هي الأخف وزناً في مسيرتها الغنائية، بينما هي الأروع على الإطلاق، مثلما أقنعوها أنها مجرد مؤدية للأغاني الخفيفة، ولكنها مطربة رائعة في حقيقة الأمر، إن رقة هذه الأغنيات وفرط عذوبتها لهو من أسباب تميزها وتفردها وليس دليلاً على الوزن الخفيف فنياً، فأي ظلم لها ولأغنياتها البديعة نتيجة للفذلكة النقدية والتقعر والتعالي على الرقيق العذب من الفنون؟.

حين كنت أشاهد وأنا طفلة أغنية "ما اقدرش احب اتنين" في التليفزيون المصري، كنت أتخيل أحد مشاهدها أنموذجاً لجنة الخلد، وهو المشهد الذي تهبط فيه شادية سلالم الحديقة ذات الأعمدة بينما يحمل أحد الراقصين راقصة ترتدي فستاناً أبيض جميلاً ويدور بها، ولعل هذه الصورة العذبة هي أول ما يخطر ببالي إلى الآن حين يذكر اسم شادية، ولعل صورة الرقة والعذوبة صوتاً وشكلاً وأداءً هي التي ستبقى في مخيلة الناس عن شادية للأبد، ولعلها هي نفسها الآن قد تحولت إلى عصفور يطير في الجنة مغرداً أعذب الألحان.. من يدري؟.


                                                            لمياء مختار
"عضو اتحاد كتاب مصر، وصدر لها من قبل رواية "رتوش اللوحة" ومسرحية "ولكنه موتسارت" وديوان شعر "ضفائر الورد والندى" وشاركت بقصص قصيرة في الكتاب الجماعي "الفزع في  كلمات"".

Saturday, October 26, 2019

مقالي كاملاً عن منير مراد-نشر بجريدة القاهرة في 23 أكتوبر 2018

https://www.facebook.com/EgyptianWriterlamiaMoukhtar/posts/10156808296085148?__xts__%5B0%5D=68.ARBBXJ2lanSLEqmA-yh7bIitdmjxi5nUuph5iSLn8liiOOKeHRZpRkbJske5csDLIps5CUo1RFcDaxR8HCyLEm9mbmfXxNDbKzIhdBOC7gMjU7z4XuF6XgqqwHziFpUy8_jm5TOBJTyFN9GfK2amk1uE42tOD0vcRLMZ-mW1_YXLfFGqXdS_ndjqhUBvzE-Y4EfRDWmprYiR4xnaWgNi2KWmb1EkTe0g79cnbKTDZnYM1eNBdjxTzYnOP-H-KXEMDA6juEQ5lCN3Vy-6-s1lF_h3v5_17bjQm8aUzveGpbnIpTuXVntTAvXz86zAkxJbXNnbLFha3Pw465rhMw&__tn__=K-R


مقالي كاملاً عن منير مراد-نشر ب



جريدة القاهرة في 23 أكتوبر 2018




منير مراد: "ياما جنايني بدمعه رواه"

بقلم: لمياء مختار

ترى، هل كان يخطر ببال منير مراد وهو يلحن الأغنية العذبة "سوق على مهلك" لشادية، أن ذلك المقطع منها الذي يقول: "بكرة الورد اللي زرعناه.. يكبر طول ما احنا بنرويه" فيكون الرد: "ياما جنايني بدمعه رواه.. وصبح لقى غيره بيجنيه"، ترى هل خطر بباله أن هذا المقطع سينطبق عليه شخصياً، فيصبح هو "الجنايني" الذي رعى زهور الموسيقى بدمه وقلبه وروحه وأخلص لفنه منذ صغره وحتى آخر عمره، فإذا به لا يجني زهوره ولا يلقى عـُشر التقدير اللائق بموهبته الضخمة؟..

إن أنموذج منير مراد هو كابوس أي فنان مبدع.. كابوس أن تكون عبقرياً متعدد المواهب فينقلب هذا عليك، لأن الناس لا يستطيعون أن يصدقوا أنك تتمتع بعدة مواهب فيبخسون قدر موهبتك الكبرى المهيمنة، فإذا بالمحصلة في مخيلتهم تتضاءل من حجم الجبل إلى حجم الحصاة، خاصة لو كان المبدع سابقاً عصره بشدة، وخاصة مع العلاقة الملتبسة دائماً وأبداً بين المبدع والمؤدي والمتلقي الذي لا يقدّر المبدع عُشر تقديره للمؤدي في أغلب الأحيان..

ربما ليس منير مراد وحده المنسي بين ملحنينا الكبار الذين لم يعد الناس يذكرونهم ولم يُـقدَّروا حق قدرهم، مثل محمود الشريف وأحمد صدقي وغيرهما، ولكن منير مراد يختلف عنهم في سبقه لعصره وكأنه من عصرنا أو حتى من المستقبل، وهو يشبه في هذا الرائع محمد فوزي الذي تحل ذكراه أيضاً في شهر أكتوبر..

منير مراد الذي كان يصلح وجهاً سينمائياً وسيماً يمكنه أن يؤدي أدوار الفتى الأول، للعجب لا يحقق في السينما النجاح المرجو رغم كون فيلميْه اليوم من أهم مصادر المتعة السينمائية والموسيقية الشديدة في الفضائيات لتفردهما بمذاق رائع خاص بهما وحدهما بين الأفلام الغنائية والاستعراضية القديمة، خاصة فيلم "أنا وحبيبي" الذي تكلف 11 ألف جنيه وكانت أرباحه 116 ألف جنيه حسب كلام منير مراد، ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فلم ينجح فيلمه الثاني "نهارك سعيد" ولم يتقبل الجمهور منير مراد كبطل سينمائي، ربما لملامحه الأقرب للأجنبية، وربما لأنه يؤدي الاستعراضات بنفسه بينما العقلية الشرقية في أعماقها مهما بدت متفتحة فإنها لا تستسيغ فكرة كون الرجل فناناً استعراضياً.. وربما لأن إيقاع ألحانه السريع كان سابقاً عصره بشدة.. وربما لأن ثقته الزائدة بنفسه جعلته يؤدي فيلمه الثاني بدون بطولة نسائية موازية معتمداً على قدراته الاستعراضية وعلى كونه يقدم نوعية جديدة في السينما آنذاك، ولكن أثبتت التجربة خطأ تلك الثقة الزائدة التي لم يجرؤ أحد عليها حتى فريد الأطرش ومحمد فوزي وعبد الحليم حافظ، فالسينما تعتمد على البطولة النسائية بشكل أساسي..

ويتفرغ منير مراد لموهبته الكبرى: التلحين، فإذا بصورته كملحن في مخيلة الناس تتأثر بالسلب بصورة الراقص الاستعراضي!، وهو ما لم يتوقعه منير مراد بروحه البسيطة البريئة المرحة التي لا تفكر بتعقيدات العقلية الشرقية، وهو ما يذكرني بموقف يُحكى أنه حدث للسيناريست الكبير السيد بدير حين ذهب بصفته أحد مسئولي الإذاعة المصرية لمقابلة محافظ، ولكن يكتشف المحافظ أن السيد بدير المسئول الإذاعي هو نفسه الممثل الذي يؤدي دور عبد الموجود ابن كبير الرحيمية، فإذا به يرفض مقابلته!، تلك كانت النظرة للفنون، وكانت نوعية الكوميديا والاستعراض تنتقص في أعين الناس من باقي مواهب الفنان للأسف.. وهذا هو عين ما حدث لمنير مراد..

منير مراد هو قصة كفاح في دراسة الموسيقى وحب السينما والدأب والسعي الجاد من الصغر من أجل تعلم الفنيْن على أصولهما، ولم يأته النجاح على طبق من ذهب لكونه شقيق ليلى مراد كما قد يتخيل البعض، يحكي منير مراد بخفة ظل في لقاء إذاعي قديم مع الإذاعية أمينة صبري عن عشقه في طفولته لآلة القانون الشرقية الأصيلة وحفظه وهو طفل لألحان القصبجي وزكريا أحمد وداود حسني، وعن حبه للموسيقى السودانية ولموسيقى دول الشرق الأقصى كاليابان وسنغافورة، وعن عشقه للسينما الذي جعله يعمل مساعد مخرج خمسة عشر عاماً، يحكي عن تتلمذه في الأربعينيات في شبابه الباكر على يد أندريا رايدر في معهد إيطالي للموسيقى في الإسكندرية، وكيف تعلم من أندريا رايدر فكرة "الميلودي" أو روح اللحن المميزة له والتي تجعل الناس تحفظه وتنفعل به ويبقى في ذاكرتها، ومثلما كان منير مراد تلميذاً نجيباً فقد كان أندريا رايدر أستاذاً ناجحاً بلا شك، بدليل أن رايدر صار أحد أهم واضعي الموسيقى التصويرية على الإطلاق في أفلامنا المصرية الشهيرة كدعاء الكروان وغروب وشروق وغيرها من الروائع، بل إن فريد الأطرش ذاته وهو من هو في عالم الموسيقى استعان بأندريا رايدر في توزيع موسيقى فريد التصويرية لفيلمه الرائع "الحب الكبير"..

يقول منير مراد بثقة الفنان واعتزازه بنفسه وفنه والتي تحوي أيضاً مرارة خفية كمن يصرخ في أعماقه مطالباً بجزء ضئيل من حقه في التقدير المعنوي: "أنا ما اطلّعش لحن إلا لما يكون "جون" في الشبكة.. مش ممكن أعمل لحن يحود كده يمين والا شمال.. أنا عملت كل استعراضات السينما اللي على مدار ال 35 سنة اللي فاتوا.. والدويتو اللي انا باعمله بمثابة 10 ألحان لأم كلثوم، لأن الدويتو أصعب حاجة في التاريخ.. الشاطر من الملحنين اللي يعمل دويتو.. ما كانش فيه اتنين يعملوا دويتو ف مصر غير محمد فوزي ومنير مراد"..

يقول الكاتب وسام الدويك في كتابه "التياترجي منير مراد": "قال المؤرخ الموسيقي الكبير كمال النجمي: إن منير مراد يفهم جيداً في الموسيقى الغربية، ويتذوق عن حب وعلم الموسيقى العربية، ولهذا أمكنه أن يقدم أفضل مزيج من لقاء موسيقى الغرب بالشرق، وللأسف الشديد فإن زملاء منير مراد بدوا بعد وفاته وكأنهم اتفقوا على نسيانه!"..

لقد ترسخ انطباع ظالم في الأذهان بأن منير مراد ملحن من العيار الخفيف لمجرد رشاقة ولطف ألحانه وسبقها لعصرها، وهو ما يجعل البعض عند حديثه عن الملحنين الذين تعاون معهم عبد الحليم حافظ يُسقط منير مراد من الذكر وكأنه يقل عن الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي!، وهو نفس الانطباع الذي حرمه من التعاون مع أم كلثوم برغم أن هذه الفرصة الذهبية أتت لجميع زملائه، ولم يدرك الناس أن هذه "الخفة" مقصودة وسهلة ممتنعة بها عبقرية لا يدركها إلا قليل..

بدأ منير مراد التلحين بأغنية "واحد اتنين" والتي كانت انطلاقته وانطلاقة شادية، ومن هنا شكلا معاً ثنائياً فنياً رائعاً فقد لحن لشادية ما بين ال 600 وال 700 أغنية حسب تقدير منير مراد التقريبي، إن جميع الأغنيات الرائعة لشادية على مدى عشرين عاماً قبل دخولها في مرحلة الأغنيات الطويلة كانت من تلحينه.. فهو وحده الذي شكل شخصيتها في الغناء ولا ينسب هذا الفضل لسواه، أما عبد الحليم حافظ فقد لحن له منير مراد أغنيات رائعة أيضاً مثل بأمر الحب وباحلم بيك وأول مرة تحب يا قلبي وضحك ولعب وجد وحب وغيرها، ومن المعروف أيضاً أنه لحن جميع دويتات شادية مع عبد الحليم حافظ عدا أوبريت لحن الوفاء فقد كان للسنباطي..

ولم ينس بالطبع شقيقته ليلى مراد فقد لحن لها واحدة من أعذب أغنياتها وهي "يا طبيب القلب"، وأيضاً "أنا زي ما انا" والأغنية الوطنية النادرة "يا رايح على صحراء سينا.. سلم على جيشنا اللي حامينا.. قل له احنا معاك.. وحياتنا فداك.. ولا يغلى عليك أغلى ما فينا" التي غنتها من ألحان منير بعد نكسة 1967، وربما كان من أجمل أغنياته الوطنية أيضاً "يا مصر قومي وانهضي" التي كانت في فيلمه الأول.. وقد تعاون مع  المطربين ذوي الطراز المختلف مثل فايزة أحمد في أغنية "شغلوني عيونك" التي قال عنها عمار الشريعي إنها جمعت بين الفلامنكو الإسباني ومقام الحجاز، ومثل وردة في "رحالة" و"من يوميها"..

ويصف أحد باحثي الموسيقى وهو د. أسامة عفيفي استخدام منير مراد للمقامات بشكل عبقري فيقول: "إن انقلاب لحن "ضحك ولعب وجد وحب" في مقطع "أيوه يا دنيا" من الماجير إلى السيكاه انقلاب يحسبه السامع لأول وهلة يكاد يهدم بناء اللحن كله، وقطعاً هناك محاولات كثيرة كهذه سبقت هذا اللحن بواسطة ملحنين آخرين، ولكن انقلاب المقامات في لحن منير نجح بينما فشل فيه آخرون، أما لحن "إن راح منك يا عين.. ح يروح من قلبى فين؟" من كلمات فتحي قورة، فقد بلغ من الرقة أنه يعبر عن إحساس عميق بالحيرة بين الأمل وخيبته، انكسار حزين فى الشطرة الأولى ثم تفاؤل فى الشطرة الثانية، والتعبير عن الموقفين المتضادين يأتيك في ثوان معدودة وبمنتهى الدقة.. أما عملياً فقد توقف بالأولى على ركوز مقام النهاوند العاطفى ثم هبط نصف درجة ليلمس بالكاد حساس المقام الأدنى تأكيداً للانكسار ثم يصعد فى الشطرة الثانية ليتوقف بنهايتها على الدرجة الثانية وهى درجة غير مستقرة توحي غالباً بالتساؤل، وهو تعبير غاية فى التوفيق دقيق الإحساس عميق الشعور يحقق الجو النفسي الذي أراده الشاعر"..

إن منير مراد كان الجواد الرابح في السباق لجميع المطربين وكان "الولد الشقي" في الموسيقى إن جاز التعبير، إنه عفريت يعرف جيداً كيف يخطف روحك ويأسرك تماماً بالميلودي كما يقول أو روح اللحن الطاغية التي تبقى في ذاكرتك للأبد.. وكأنه ذلك الحصان الطيار في ألف ليلة وليلة الذي يطير بك ليريك أماكن في اللحن لم تكن تخطر ببالك..

منير الشعبي: "غلاب الهوى" الموسيقي لديه:
"ياللي انت غاوي ليه تصدق يوم كلام عذال": حين يـُـذكر اسم مها صبري فغالباً سيقفز إلى ذهنك ذلك المقطع من الأغنية الرائعة "غلاب الهوى".. إنها لحنه الذي غير فيه جلده فمزج الشعبي بالإيقاع الراقص الحديث.. وكيف لا يتجدد فنه كل حين وروحه ملأى بالهوى الموسيقي "الغلاب" والطاغي؟، وحين يذكر اسم شريفة فاضل فبالتأكيد ستقفز إلى ذهنك أغنيات "الليل" و"حارة السقايين" و"الصبر".. إنهن ألحانه، وحين يذكر اسم عايدة الشاعر ستــُـدهش حين تعرف أن الأغنية الوحيدة الرقيقة شبه الحزينة التي تجمع ما بين اللونين العاطفي والشعبي لها من كلمات عبد الرحيم منصور "ما يهونش عليّ اسيبه" هي لحن منير مراد، وقد يخطر ببالك حين تسمع اسم محمد رشدي أغنية "كعب الغزال".. إنها لحنه الذي أدهش الكثيرين وجعلهم يظنون أنه لبليغ حمدي لتميز رشدي مع بليغ، وربما حين تسمع اسم سعاد مكاوي تقفز إلى ذهنك أغنية "وحشني كتير".. إنها لحنه، لقد مر منير مراد بمرحلة شعبية ناجحة بشدة في التلحين أثبت فيها أنه "ابن بلد" وليس "خواجة" كما يظن الجميع، فأعطى للأغنية الشعبية مذاقاً مختلفاً بشدة عبر إيقاع راقص راقٍ مستمد من الروح المصرية الصميمة، وهو ما جعل كل أغنياته HITS بالمصطلح الأجنبي الذي يعني بالعامية المصرية "تكسر الدنيا"..

"قسمة ونصيب":
حتى الأجيال الجديدة التي ظهرت في أواخر عمره نجح بشدة في التعامل معها بروحه التي ظلت شابة كأنه في العشرين حتى مع تقدمه في العمر نسبياً (لأنه لم يتقدم به العمر كثيراً فقد رحل عن دنيانا في الخمسينيات من عمره، في 17 أكتوبر 1981)، فجاءت أغنيته الرائعة لعفاف راضي "ابعد يا حب" لتضفي عليها لوناً ومذاقاً مختلفين عن اللون والمذاق الرائعين اللذيْن صبغ بهما بليغ حمدي شخصيتها الغنائية، كما أن هاني شاكر استطاع أن يلحق بمنير مراد فلحن له أغنيتيْ "تسلم لي عيونه الحلوين" و"قسمة ونصيب"..

وتلك كانت "قسمة منير مراد ونصيبه" في الدنيا التي ضنت عليه بما يستحق من تقدير.. ولكن المدهش أن الفن الرائع يفرض نفسه، فالأجيال التي لم تعاصره –ومنهم جيلي والجيل الأصغر سناً- بدأت تنتبه في الإنترنت إلى عبقريته، وكأنه ما كان ينتمي لزمنه.. بل لزمن تالٍ بخمسين عاماً على الأقل، ولعل هذا من حظه.. فرب ضارة نافعة، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون من قدر بعض المبدعين أن يحدث لهم ما يثير التعاطف، كبخس الحق، فإذا بهذا التعاطف المبدئي يدفع محبيهم إلى التعمق في دراسة فنونهم، ولعل أرواح هؤلاء المبدعين تشعر بهذا التقدير المتأخر وهي في عالم البرزخ فترضى وتسعد، ففي حقيقة الأمر لا شيء يضيع..


ملحوظة: لينك مقالي عن الفنان الكبير الراحل منير مراد في صفحتي على الفيس بوك:

 https://www.facebook.com/EgyptianWriterlamiaMoukhtar/posts/10156808296085148?__xts__%5B0%5D=68.ARBBXJ2lanSLEqmA-yh7bIitdmjxi5nUuph5iSLn8liiOOKeHRZpRkbJske5csDLIps5CUo1RFcDaxR8HCyLEm9mbmfXxNDbKzIhdBOC7gMjU7z4XuF6XgqqwHziFpUy8_jm5TOBJTyFN9GfK2amk1uE42tOD0vcRLMZ-mW1_YXLfFGqXdS_ndjqhUBvzE-Y4EfRDWmprYiR4xnaWgNi2KWmb1EkTe0g79cnbKTDZnYM1eNBdjxTzYnOP-H-KXEMDA6juEQ5lCN3Vy-6-s1lF_h3v5_17bjQm8aUzveGpbnIpTuXVntTAvXz86zAkxJbXNnbLFha3Pw465rhMw&__tn__=K-R